فخر الدين الرازي

271

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عن الموت يقال لمن مات : زار قبره وزار رمسه ، قال جرير للأخطل : زار القبور أبو مالك * فأصبح ألأم زوارها أي مات فيكون معنى الآية : ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين الأول : أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف ، والميت يبقى في قبره ، فكيف يقال : إنه زار القبر ؟ والثاني : أن قوله : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل على المستقبل ؟ والجواب : عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لا بد له من الرحيل ، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفا على الموت بسبب الكبر ، ولذلك يقال فيه : إنه على شفير القبر وثانيها : أن الخبر عمن تقدمهم وعظا لهم ، فهو كالخبر عنهم ، لأنهم كانوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ * [ آل عمران : 21 ] وثالثها : قال أبو مسلم : إن اللّه تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييرا للكفار ، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور . القول الثالث : ألهاكم الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت ، ثم تقول في تلك الحالة : أوصيت لأجل الزكاة بكذا ، ولأجل الحج بكذا . القول الرابع : ألهاكم التكاثر فلا تلتفتون إلى الدين ، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر البتة إلا إذا زرتم المقابر ، هكذا ينبغي أن تكون حالكم ، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار ، ونظيره قوله تعالى : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ * [ الملك : 23 ] أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشكر . المسألة السادسة : أنه تعالى لم يقل : ألهاكم التكاثر عن كذا وإنما لم يذكره ، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع ، أي : ألهاكم التكاثر عن ذكر اللّه وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر ، أو نقول : إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى : ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت ، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر فنسيتم القبر حتى زرتموه . أما قوله تعالى : [ سورة التكاثر ( 102 ) : الآيات 3 إلى 4 ] كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) فهو يتصل بما قبله وبما بعده ، أما الأول فعلى وجه الرد والتكذيب أي ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأموال والأولاد ، وأما اتصاله بما بعده ، فعلى معنى القسم أي حقا سوف تعلمون لكن حين يصير الفاسق تائبا ، والكافر مسلما ، والحريص زاهدا ، ومنه قول الحسن : لا يغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك ، وتبعث وحدك وتحاسب وحدك ، وتقريره : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ [ عبس : 34 ] و يَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 80 ] و لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى إلى أن قال : وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ [ الأنعام : 94 ] وهذا يمنعك عن التكاثر ، وذكروا في التكرير وجوها أحدها : أنه للتأكيد ، وأنه وعيد بعد وعيد كما تقول : للمنصوح أقول لك ، ثم أقول لك لا تفعل وثانيها : أن الأول عند الموت حين يقال له : لا بشرى والثاني في سؤال القبر :